الاثنين، 26 مايو، 2014

ألم وافر الطمأنينة


لنتحدث، كما يليق برجال يقضون وقتهم مرتدين بزات العمل الأنيقة، ولو لمرة واحدة عن الألم. الألم العادي الأقل بكثير من ألم مريض يستغل أيامه الأخيرة لكتابة قصة كفاح ملهمة. لنجد وقتاً لذلك ونحن نتنقل من "كونفرنس كول" إلى آخر لاهثين مطمئنين أن أقنعتنا تقوم بإلقاء النكات في الوقت المناسب وأن أدمغتنا المنقوعة بالكافيين تحلل خطط العمل وتجيد تعديل الأخطاء التي يقع فيها عرضاً جهاز الكومبيوتر. ليكتشف أحدنا بطريق الصدفة خللاً في آخر، ولننظر ولو لمرة واحدة في وجوه بعضنا ونسأل كآباء يصطحبون أطفالهم إلى المدرسة صباحاً عما إذا كنا بخير؟ لانسعل لكن هل نبدو بخير؟ نتأخر دقيقتين، هل نبدو بخير؟ أحدنا شارك على الفيسبوك أغنية تقول: عم تغلى ع ألبي ي عهد الولدنه، هل يبدو بخير؟ ولنتحدث. لنتحدث كمجموعة رجال رائعين يتركون الساندوتشات قليلاً لتبرد ويرمون أشمغتهم على الطاولة ليتحدثوا عن الألم، هناك الكثير منه تحت الطاولة، هناك الكثير منه في مسبحة الجد الذي غادر وفي حذاء الأم الذي نحتفظ به، في طائرة تعود برتابة للوطن، في موعد مناسبة يتذكرها شخص واحد، في إنتظار طويل يظهر على شكل مرض في تحليل الدم، في شغف طفولي يصحو بعد موعده، في تحية تتمنى لو كانت كرة تنس يتقاذفها اثنان أكثر من مرة، في الذكريات، في أيام أحد منتصف العام. هناك الكثير مما يمكننا تقاسمه كرجال أشداء لا يبدو عليهم ذلك. قوتهم تظهر في بريك القهوة عندما يرمون أشمغتهم على الطاولة ويتركون الساندوتشات قليلاً لتبرد، يشارك أحدهم  على الفيسبوك أغنية تقول: عم تغلى ع ألبي ياعهد الولدنة، يخرج أحدهم مسبحة بيضاء قديمة، ينشر آخر على الانستاقرام صورة لحذاء طبي تحبه الأمهات، ويتحدثون بجسارة بالغة عن الألم.

الجمعة، 13 ديسمبر، 2013

ثوب مدرسي لإكمال حلم

في الحلم جلست إلى طاولتي في المدرسة الإبتدائية، بأقل حنين ممكن نظرت إلى نقوشي الغبية وإلى أخطائي الإملائية المضحكة في أسماء أصدقائي: سلطن، عبد رحمان. بحثت عن اسمك هناك وقد توقعت في خاطر مضحك أن أجده قبل أعوام من مجيئك، لكني وجدت جدول ضرب العدد ٧ الذي شكل لي معضلة. الحنين اللازم لهذه اللحظة تأخر إلى مابعد استيقاظي بساعة، صحوت بروح شفافة يؤذيها الهواء وتشققها الكلمات العادية بسهولة. جلست إلى طاولتك وضحكت، شربت قهوتك من فنجان توقعت ان يكون لك وأنا أحاول اختلاس النظر إلى ما تحت الصينية بحثاً عن اسمك بخطأ املائي متوقع من تلميذ مدرسة ابتدائية. احتفظت بنوى التمر تحت لساني لأني أنوي رتق ثقوب الروح بنوى تمرك. يحدث أن تستيقظ روحي قبلي بساعات وتعبث في طرقات حلمي وطفولتي وتفتش عن شكل ابتسامتي قبل مجيئك. واذا استيقظتُ أستيقظ بروح تنقصها السماكة اللازمة لبدء يوم جديد. لذلك، دائماً، أبدأ يومي بك. أشرب قهوتك واحتفظ بنوى تمرك تحت لساني، أبحث على طاولتك عن نقش لجدول ضرب العدد ٧ لأنه دائما ما شكل لي معضلة، أبحث عن حل لكل المعضلات عندك. عندما أخرج من غرفتك، أقول لك إنني سأعود سريعاً، أتظاهر بغلق بابك لكني أبقيه موارباً في اللحظة الأخيرة، تعرفين. 

الأحد، 25 أغسطس، 2013

إحصاءات


في أي لحظة، هناك طفل يكسر حصالته مقابل ثلاث أمهات يفكرن في بيع قطعة مجوهرات عزيزة، هناك جندي واحد يعرق ويغمض عينه عند إطلاق الزناد مقابل سبعة يفتحون النيران بجنون ولا اكتراث، هناك فتاة تفقد عذريتها مرغمة وتفكر ان الوقت يمر مقابل أربع فتيات لايكترثن بالوقت ولا الرجال، هناك مخرج أفلام واحد يفكر في أمه بينما يملأ خياله وجه ممثلة مقابل اثنين يغمزون لمساعديهم بخبث. هناك قطعة جبن تؤكل مع النبيذ المناسب مقابل تسع قطع يتطلع لها أطفال جياع حول العالم من خلف حواجز زجاجية، هناك حشرة تتحول إلى أثواب حريرية وأطياف ملونة بينما لا تتمتع حشرات أخرى بالذائقة اللازمة لفعل ذلك، هناك نصاب واحد يفلح في المرة الأولى بينما يتحول ثلاثة آخرون لرجال دين.

في أي لحظة أحاول تأليف إحصاءات وحقائق غير صحيحة ولا تهم أحداً لأن القراءة صارت تقتلني مللاً، حقائق أعرفها وحدي وأتحدث بها بدلاً من حقائق بديلة أعرفها ولا أجرؤ الخوض فيها، مثل أنني لا أستطيع التوقف عن التفكير؛ التوقف عن التفكير يشبه التوقف عن التنظيف بالنسبة لي: مدعاة لتراكم غبار الذكريات والمخلوقات التابعة، علي التفكير باستمرار لأن علي استهلاك ألمي الخاص أولاً بأول.

الشمس تشتغل في مكان ما خلف النافذة، لكنها مثل أبطأ شاي عرفته ترسل أشعتها إلى الداخل. سأكتب إحصائيتين جديدتين عن الشمس والشاي، لأن الوقت يمر ببطء حتى تحين ساعة العمل، واذا ظفرت بي لحظة خفية قبل الخروج فسأتذكر أنني، مثل مربع فارغ وحيد في لوح كلمات متقاطعة: أعزل، ولا يعرف أين مكمن الخطأ بالضبط.

الأحد، 14 أبريل، 2013

سيرة ذاتية لفقدِك


سلام عليك، بعد عام من غيابك تصبحين أمي أكثر من أي وقت مضى، وأصبح طفلك المدلل الذي عاد من الحفلة المدرسية بزي عسكري فأرسلوه للحرب بطريق الخطأ. أراك في حدقة واسعة الترقب إنما قليلة الحيلة، بكامل شعرك الذي سرقوه منك في غرف المستشفيات، بكامل أبهتك. أراك في عين لا تطرف فتضيعك مجدداً، عين كانت تغسل صباحها بك، لكنها بعد عام استوعبت الأمر فجأة، وجدت صعوبة في تذكر شكل حاجبيك مثلاً، لم تتشكل أي صورة عندما نطقوا اسمك، وعبرت ذكراك الهوينى في سهل من الروح ظل خاوياً بعدك.
سلام عليك، حتى بعد عام من غيابك لا يمنع أمومتك شيء، تصبحين أمي التي في السماوات. لا بد أنك الآن قد اعتدت المكان هناك، فوق. هل وضعت حجابك؟ هل اعتدت تجوال الملائكة وتيقنت من نورهم الذي يشبهك؟ هل اعتادو رائحة خبزك وامتدحوك كما يجب؟ لقد كنت خائفاً طوال الوقت من خجلك أمامهم وحرجك أمام أسئلتهم، وإني أعتذر لأني تركتك وحيدة بين أيديهم ولم أكن معك، لكنك تعرفين أنه وقت قصير وأتمكن من اللحاق بك، وقت قصير مثل لفحة سموم أتقيها بعباءتك التي تركتها خلفك، مثل يوم طويل طويل بدونك.
وإني أخاف أيضاً، من الأبواب التي تنكرت لي أقفالها بعدك، أخاف وأفتقدك. مدد قصير تخيلته وأنا أتفقد ترابك كل مساء، قالوا ان وقت المغيب مناسب لتفقد الغائبين، لولا أن شمسك ظلت طوال عام غائبة أبداً أمام عيني، شمسك التي كانت قفير نحل يلازمني بعسل الصبح، ويترك كعكتين ملفوفتين في كيس نايلون لمرات خروجي المفاجئة. وأنا أفتقد نحلك، وأفتقد عسل صباحاتك المعقود بين سجدتين، وغفوتين، وعينين تتركينهما نصف مفتوحتين أثناء نومك لأنني لن أتدبر أمري جيداً وبحاجة لمراقبة.
سلام عليك، أفتقدك، وأكتب فقدك مقطعاً مثل نص مقدس يتنزل ويثقل كاهل نبي. لكن فقدك يثقل القلب ويكبّل الحلق. أكتبه مثل خطوة ثقيلة أستريح في منتصفها لسنوات، زر أخير أتنهد وأنا أحاول إغلاقه لأيام، لم يعلموننا في المدرسة شيئاً عن الفقد، بل اقترحوا يوماً مفتوحاً للتسلية ارتديت فيه زي الجندي، وأنا الجندي الطفل الذي فكر بالتنهد تحت الحصار، لكن قذيفة قريبة أسكتته وظلت تنهيدته معلقة في حلقه مثل روح غريبة، مثل سخرية مرة تتلقفه في كل مرة يخبر أحداً أنه بخير. عدت من الحفلة فلم أجدك في البيت، هل كان زي الجندي خياراً سيئاً إلى هذا الحد؟
سلام عليك. يقولون إنني أخذت منك ما بلغ بي الأخذ واستطعت: شكل حاجبيك، حقيبتك وحذائك وعباءتك، لكني لم أستطع اللحاق برائحتك. غطاها ترابك واكتسحها عام من تجول الآخرين في أماكنك. غطاها الأثاث الجديد وسؤال طبيب النسيان عنك، موجوع لفقد رائحتك لأنني لم أستوعب هباء الأماكن الخالية . لم يتركني غيابك لحظة، إنما نسيت شكل حاجبيك بسبب كثافة روحك في الغياب، بسبب ظلام عبائتك فوق جفنيّ، أتذكر زاوية فمك، الرائحة التي تتركينها في الفراش عندما أوقظك، خفة عظامك عندما أحملك بيديّ لأقسام الطواريء، لكن حاجباك طارا خلف حدقة واسعة الترقب إنما قليلة الحيلة، حدقة يبست بفعل الأرق الطويل الذي أكمل عاماً كاملاً بدونك.
سلامٌ عليك، وعام عجول أكملته واقفاً بدونك، يكتمل الحصار حولي وأراقبه بلا اهتمام لأنني استسلمت مبكراً، أفكر أنه استسلام الانتحاريين حيث أقنع نفسي أن أمي ملاك، وأني محاصر بلا فائدة لأنني، إن أطبق الحصار حولي، فسأستخدم مظلة لألحق بها في الأعالي هناك، وأنني ما دمت أرتوي من سرابك فلن يعوزني تخيل حلم يكفي المسافة المستحيلة بيني وبينك، يهذي الجنود عند الحصار ويغنون قبل جنونهم بلحظات كل أغاني الطفولة التي حفظوها يوماً، أما أنا فأقف مخذولاً لأعتذر، أعتذر لأنني لم أعد أتذكر شكل حاجبيك، لأنني اخترت زي الجندي وبكيت من أجله عوضاً عن زي الطبيب الذي كان من الممكن أن يكبر ويعالجك. نامي بعمق وراحة، رغم انني استغرقت عاماً لاستيعاب غيابك. لكن بوسعك الارتياح الآن، بوسعك أن تغمضي كامل جفنيك لأنني سأتدبر أمري مضطراً بدونك، كامل جفنيك مرة أولى وأخيرة.

الأربعاء، 27 فبراير، 2013

أقاوم فقد الأشياء المستمر لمعانيها باستضافتك في حلم..

الحامية الصغيرة التي تبقت من اكتئاب مايو البني، الجواسيس ذوو النوايا الرخوة، يزرعون في قلبي راية سوداء من ساريتها ينبعث نمل أسود يحكّ ويأكل البطانة الرطبة ويتبرز الأسئلة. مثل أني لم أعد مناسباً، مثل أن سفينتي فقدت وجهتك، مثل أني لا أبتسم بما يكفي في الصور، مثل أني أقترح مطاعم قديمة وليست مغرية لعشاء الخميس القادم، مثل أن الأب الحكيم يروي لأشقياء ذهني الموكلين بالابتكار نكاتاً قديمة مقتبسة من مسلسلات لم يعد يشاهدها أحد في القناة السعودية الثانية، ذهني يتحول إلى قناة سعودية ثانية بامتياز، حيث برامج معادة مرتبة وحديث متكلف. أقاوم فقد المعاني الكثيف هذا بالمياه الدافئة التي تنبعث من حلم تكونين فيه، حيث تتغير القناة تلقائياً ويخف سواد الراية المزروعة في قلبي، يتخلص جواسيس الاكتئاب من حرجهم بسرعة ويقولون إنهم موظفو توصيل عشاء الخميس، وأنهم أخطأوا العنوان فحسب.

الأحد، 30 سبتمبر، 2012

101 جسد: يوم منزوع الكافيين..

جسدك مكة العشق، فراشة تدخل سور مدينة محاصرة فيصاب أهلها بالجنون. جسدك طلاء أظافر الحب، موسيقى تصويرية لأحداث حياتي. جسدك ليل أقماره بلا حصر، عباءة فضفاضة تمشي في الممر وتفضح الأسرار. جسدك سجن المجنون، عصفور يتسلل لزنزانة السجين فيصرخ فيه: نصير حرّين معاً أو نموت بالقيد سوية. جسدك يظهر في خرائط قوقل كبحيرة من النار الباردة محفوفة بحذر الحروب. جسدك حرب عالمية على وشك الحدوث، جنود متحفزون وغرائز على شكل دولة تحاصرها المطامع الاقليمية. جسدك إقليم مستقل من الكمثرى، عصير كثيف يحن لموطنه الأصلي. جسدك مانشستر يونايتد الشبق، ميدان فسيح مدجج بالحمرة ينتصر لنفسه بنفسه. جسدك ساعة رملية، لعوب وفي منتصف الليل تنقلب من جديد.
جسدك درس مكثف في يوم منزوع الكافيين، أصيله بلون المشمش لكن ليله عجول ومتفلت. بحث مستفيض ومحاضرات مستمرة في الموسيقي والأمومة وطعم صفحات الكتب المفضلة ينتهي بمهارات يدوية عن كيفية قطع ممر قصير بأثقل الخطوات الممكنة، وإيجاد طريقة آمنة لاستعمال حبل النجاة عند الغرق المفاجئ في حدقة شبيهة بقرص العسل. يتعين علي في نهاية اليوم منزوع الكافيين هذا عدم نسيان جرس إنذار الحريق الذي يشتعل- في ظروف كهذه- دون مسببات، وكتابة ملخص عن قلبٍ على هيئة جنرال متقاعد أدمن مطاردة الحروب، ملخص سيبدأ تحت وطأتك هكذا: جسدك مكة العشق، فراشة تدخل سور مدينة محاصرة فيصاب أهلها بالجنون… إلخ!

الصورة: A Streetcar Named Desire, via: @amen_oldhollywood, instagram

الأحد، 16 سبتمبر، 2012

حياة سرية لكتاب..



الغبار ليس شيئاً سيئاً هنا. إنه بشكل أو بآخر علامة حياة. ينزل من الأرفف قافزاً ويجرب حركات بهلوانية لا تحبها الأمهات. مملوء بالثقة في وطنه الخاص وخالد بطريقته. بين الوجوه الممعنة في العمل أتحول إلى ذرّة بيضاء. ذرّة تشبه ابن الساكنين الجدد في الحي الذي يحاول ألا يكون غريباً باستعارة جزء إضافي من النشاط. أنا متناهي الصغر أخيراً وجدير بالخلود في الصفحة رقم ٨٣ من مجلة قديمة توقفت عن الصدور. سأختار لبيتي في هذه الصفحة سطراً مائلاً وأستظل بعنوان فني صاخب. أريد للصور أن تكون لنساء يشبهنك لا يحبذن ارتداء المعاطف. في الشتاء سأصنع من شعورهن ألحفة وحركات تنوين دافئة لائقة بنهايات قصائد. أنا متناهي الصغر أخيراً وبإمكاني الاكتفاء بحب على هذا النحو .. :)